تُعدّ السيارات ذاتية القيادة، التي لطالما كانت حبيسة صفحات الخيال العلمي، اليوم حقيقة تتسارع وتيرتها نحو التكامل في حياتنا اليومية. تعد هذه التقنيات بثورة في قطاع النقل، واعدةً بزيادة السلامة على الطرق، وتقليل الازدحام، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود. ومع ذلك، فإن هذا التقدم التكنولوجي يحمل في طياته معضلة أخلاقية عميقة ومعقدة، تلوح في الأفق مع كل حادث طرق محتمل: كيف ينبغي للآلة أن تتخذ قرارات حياة أو موت في مواقف لا يمكن التنبؤ بها، ومن يتحمل المسؤولية عن هذه القرارات؟
**وعد التكنولوجيا وتحدي الواقع**
الدافع الرئيسي لتطوير السيارات ذاتية القيادة هو تقليل الأخطاء البشرية، التي تُعدّ السبب الرئيسي لمعظم حوادث الطرق. فالمركبات المستقلة لا تتعب، لا تشتت انتباهها، ولا تقود تحت تأثير الكحول. هذا يبشر بمستقبل تكون فيه الطرق أكثر أمانًا بكثير. ولكن، لا يمكن لأي نظام، مهما بلغ تقدمه، أن يمنع الحوادث بشكل كامل. فقد تحدث أعطال ميكانيكية، أو ظروف جوية قاسية، أو تصرفات غير متوقعة من قبل المركبات الأخرى أو المشاة. هنا، تظهر المعضلة: في اللحظة الحاسمة التي لا مفر فيها من وقوع ضرر، كيف ستقرر السيارة من سينجو ومن سيتعرض للأذى؟
**معضلة “القطار المار” في عصر الآلة**
تُعيد السيارات ذاتية القيادة إحياء معضلة “القطار المار” الفلسفية الشهيرة (Trolley Problem) ولكن في سياق حديث. ففي سيناريو افتراضي، إذا كانت السيارة ذاتية القيادة على وشك الاصطدام بمجموعة من المشاة، وكان أمامها خيار آخر هو الانحراف لتجنبهم والاصطدام بحائط، ما قد يؤدي إلى إصابة خطيرة أو وفاة الركاب داخل السيارة، فماذا ستفعل؟ هل يجب أن تبرمج السيارة لحماية ركابها في المقام الأول، أم لتخفيف الضرر العام وتجنب أكبر عدد ممكن من الضحايا، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بركابها؟
هذه المعضلة تفرّع عنها عدة أبعاد:
* **المنفعة (Utilitarianism):** هل يجب برمجة السيارة لاتخاذ القرار الذي يقلل من مجموع الضرر أو يزيد من المنفعة العامة؟ هذا قد يعني التضحية بعدد قليل لإنقاذ عدد أكبر. ولكن، هل هذا عادل؟ وهل سيقبل الناس بشراء سيارة مبرمجة للتضحية بهم؟
* **الحقوق/الواجبات (Deontology):** هل يجب أن تحمي السيارة ركابها في المقام الأول، لأنهم مالكوها أو دافعو ثمنها، ولأن لديهم الحق في حماية حياتهم؟ هذا النهج يركز على الواجبات الأخلاقية والقواعد الصارمة.
* **الإنصاف والتحيز:** كيف يمكن للآلة أن تتخذ قرارات لا تحمل أي تحيز ضد مجموعات معينة (مثل كبار السن، أو الأطفال، أو المشردين)؟ تعتمد خوارزميات الذكاء الاصطناعي على البيانات، وإذا كانت هذه البيانات متحيزة، فإن القرارات ستكون كذلك.
**من يتحمل المسؤولية؟**
مع اتخاذ الآلة قرارات حاسمة، تبرز مسألة المسؤولية القانونية والأخلاقية. في حوادث السيارات التقليدية، تقع المسؤولية عادةً على السائق. ولكن في حالة السيارات ذاتية القيادة، من يتحمل اللوم؟
* **المُصنّع:** هل الشركة المصنعة للمركبة هي المسؤولة عن تصميم وتصنيع السيارة وبرمجياتها؟
* **المُبرمج:** هل يقع اللوم على المهندس الذي كتب الكود أو وضع الخوارزمية؟
* **المالك/المشغل:** هل يقع جزء من المسؤولية على مالك السيارة الذي قرر استخدامها؟
* **الجهة التنظيمية:** هل الأنظمة الحكومية التي سمحت بترخيص هذه السيارات تتحمل جزءًا من المسؤولية؟
هذه الأسئلة ليست مجرد تمارين فكرية؛ بل هي تحديات قانونية واجتماعية تتطلب أطرًا تنظيمية جديدة وتشريعات واضحة، لمواكبة التطور التكنولوجي وتحديد المسؤوليات في هذا العصر الجديد.
**القبول العام وثقة المستهلك**
إن المعضلات الأخلاقية لا تؤثر فقط على الجانب القانوني والفلسفي، بل تؤثر أيضًا على القبول العام للسيارات ذاتية القيادة. إذا كان الجمهور يرى أن السيارات مبرمجة لاتخاذ قرارات قد تعرض حياتهم للخطر، حتى لو كان ذلك بهدف إنقاذ آخرين، فقد يتردد الكثيرون في تبني هذه التكنولوجيا. الثقة هي مفتاح التبني الجماعي، وبناء هذه الثقة يتطلب الشفافية في تصميم الخوارزميات، ومشاركة عامة واسعة في تحديد الأطر الأخلاقية.
**نحو حلول (أم المزيد من الأسئلة؟)**
لا توجد إجابات سهلة لهذه المعضلات، ولكن هناك خطوات يمكن اتخاذها للمضي قدمًا:
1. **وضع أطر أخلاقية عالمية:** يجب على الحكومات والمنظمات الدولية والخبراء في مجالات الأخلاق والقانون والتكنولوجيا العمل معًا لوضع مبادئ توجيهية أخلاقية عالمية لبرمجة السيارات ذاتية القيادة.
2. **الشفافية في الخوارزميات:** يجب أن تكون الخوارزميات المسؤولة عن اتخاذ القرارات في المواقف الحرجة شفافة وقابلة للتدقيق قدر الإمكان (ما يسمى بـ “الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير”).
3. **التركيز على الوقاية:** الهدف الأساسي للسيارات ذاتية القيادة يجب أن يكون منع الحوادث من الأساس، وليس مجرد إدارة الأضرار عند وقوعها. كلما كانت الأنظمة أكثر أمانًا، قلت الحاجة إلى اتخاذ قرارات صعبة.
4. **الحوار العام:** يجب أن يكون هناك حوار مفتوح ومستمر بين التقنيين، والمشرعين، والفلاسفة، والجمهور، لمناقشة هذه المعضلات وتحديد القيم التي يرغب المجتمع في تجسيدها في هذه التكنولوجيا.
**خاتمة**
تمثل السيارات ذاتية القيادة قفزة نوعية في تاريخ البشرية، لكنها تضعنا أمام مرآة عاكسة لقيمنا الأخلاقية. إن اتخاذ القرارات بشأن كيفية برمجة هذه المركبات في مواقف الحياة والموت يتجاوز الهندسة والبرمجة ليلامس جوهر إنسانيتنا. إن التحدي لا يكمن فقط في جعل الآلة ذكية بما يكفي للقيادة، بل في جعلها حكيمة بما يكفي لتعكس القيم الإنسانية الأكثر تعقيدًا في لحظات الأزمة القصوى. إن مستقبل النقل الذاتي لن يعتمد فقط على مدى كفاءة التكنولوجيا، بل على مدى قدرتنا على دمج المبادئ الأخلاقية الراسخة في صميم تصميمها وتشغيلها.
Image by: Vladimir Srajber
https://www.pexels.com/@vladimirsrajber
Keywords: autonomous car