الهيدروجين الأخضر: القطعة المفقودة في لغز الطاقة النظيفة أم مجرد فقاعة تكنولوجية؟

### مقدمة: البحث عن وقود المستقبل

في خضم السباق العالمي المحموم لمواجهة تغير المناخ والتحول نحو اقتصادات خالية من الكربون، يبرز اسم “الهيدروجين الأخضر” كبطل محتمل، ووصفة سحرية قد تحل أصعب معضلات الطاقة. يتحدث عنه السياسيون كأداة للسيادة الطاقوية، ويراه المستثمرون فرصة بمليارات الدولارات، ويصفه العلماء بأنه “حامل الطاقة” النظيف القادر على الوصول إلى حيث لا تستطيع الكهرباء. ولكن، مع كل هذا الضجيج، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل الهيدروجين الأخضر هو بالفعل القطعة المفقودة التي ستكمل لغز الطاقة النظيفة، أم أننا نشهد ولادة فقاعة تكنولوجية أخرى، مدفوعة بآمال وردية أكثر من الحقائق العملية؟

### ما هو الهيدروجين الأخضر تحديداً؟

قبل الخوض في الجدل، من الضروري فهم ماهية الهيدروجين الأخضر وتمييزه عن أشقائه الملونين. الهيدروجين، العنصر الأكثر وفرة في الكون، لا يوجد بشكل منفرد في الطبيعة، بل يجب استخراجه من مركبات مثل الماء (H₂O) أو الغاز الطبيعي (CH₄). طريقة الاستخراج هي ما تحدد “لونه” وتأثيره البيئي:

* **الهيدروجين الرمادي (Grey Hydrogen):** هو الشكل الأكثر شيوعاً اليوم، ويتم إنتاجه من الغاز الطبيعي عبر عملية تطلق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. إنه رخيص، ولكنه ملوث للغاية.
* **الهيدروجين الأزرق (Blue Hydrogen):** يُنتج بنفس طريقة الهيدروجين الرمادي، ولكن مع خطوة إضافية تتمثل في التقاط انبعاثات الكربون وتخزينها تحت الأرض (تقنية CCS). هو أفضل من الرمادي، لكنه ليس خالياً تماماً من الانبعاثات وتكلفة تقنية الالتقاط باهظة.
* **الهيدروجين الأخضر (Green Hydrogen):** هذا هو بطل القصة. يتم إنتاجه عن طريق **التحليل الكهربائي للماء**، وهي عملية تستخدم الكهرباء لفصل جزيئات الماء إلى هيدروجين وأكسجين. الشرط الأساسي ليكون “أخضر” هو أن تكون الكهرباء المستخدمة في هذه العملية قادمة من مصادر متجددة بالكامل، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح. النتيجة النهائية: هيدروجين نقي بدون أي انبعاثات كربونية.

### لماذا يُعتبر الهيدروجين الأخضر “القطعة المفقودة”؟

يرى المؤيدون أن الهيدروجين الأخضر يمتلك مزايا فريدة تجعله حلاً لا غنى عنه في مزيج الطاقة المستقبلي، وذلك لعدة أسباب رئيسية:

1. **بنك الطاقة المتجددة:** أكبر تحدٍ يواجه الطاقة الشمسية والريحية هو تقطعها؛ فالشمس لا تشرق ليلاً والرياح لا تهب دائماً. يمكن استخدام فائض الكهرباء المتجددة في أوقات الذروة لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتخزينه. لاحقاً، يمكن تحويل هذا الهيدروجين مرة أخرى إلى كهرباء عند الحاجة، أو استخدامه كوقود، مما يجعله بمثابة بطارية عملاقة تضمن استقرار شبكة الكهرباء.

2. **حل للمعضلات الصناعية الكبرى:** هناك قطاعات صناعية من الصعب جداً أو من المستحيل كهربتها مباشرة، مثل صناعة الصلب، والإسمنت، وإنتاج الأمونيا (للأسمدة). هذه الصناعات تعتمد حالياً على الوقود الأحفوري. يمكن للهيدروجين الأخضر أن يحل محله كوقود نظيف أو كمادة خام في هذه العمليات، مما يزيل الكربون من قطاعات مسؤولة عن حصة كبيرة من الانبعاثات العالمية.

3. **وقود نظيف لوسائل النقل الثقيل:** بينما تعتبر السيارات الكهربائية حلاً ممتازاً للمركبات الخفيفة، فإن شحن بطاريات ضخمة للشاحنات الثقيلة والسفن والطائرات غير عملي حالياً. يوفر الهيدروجين كثافة طاقة أعلى بكثير من البطاريات، ويمكن إعادة تزويد المركبات به بسرعة، مما يجعله المرشح الأوفر حظاً لتشغيل أساطيل النقل الثقيل في المستقبل.

4. **تعددية الاستخدام:** يمكن حرقه لإنتاج الحرارة، أو استخدامه في خلايا الوقود لإنتاج الكهرباء (منتجاً الماء فقط)، أو تخزينه ونقله عبر خطوط الأنابيب، أو استخدامه كمادة أولية في الصناعات الكيميائية. هذه المرونة لا مثيل لها.

### ولكن… هل هي “فقاعة” على وشك الانفجار؟

على الجانب الآخر من العملة، يرى المتشككون أن الطريق نحو اقتصاد الهيدروجين الأخضر محفوف بتحديات هائلة قد تجعله حلماً بعيد المنال أو خياراً غير فعال اقتصادياً.

1. **التكلفة الباهظة:** هذا هو العائق الأكبر. إنتاج الهيدروجين الأخضر اليوم أغلى بمرتين إلى ثلاث مرات من الهيدروجين الرمادي. تعتمد تكلفته بشكل مباشر على سعر الكهرباء المتجددة وتكلفة أجهزة التحليل الكهربائي. ورغم انخفاض هذه التكاليف، لا تزال مرتفعة جداً للمنافسة على نطاق واسع.

2. **معضلة كفاءة الطاقة:** قوانين الفيزياء لا ترحم. عند تحويل الكهرباء إلى هيدروجين (عبر التحليل الكهربائي)، ثم تحويل الهيدروجين مرة أخرى إلى كهرباء (عبر خلايا الوقود)، تُفقد نسبة كبيرة من الطاقة في كل خطوة. تُعرف هذه بـ “كفاءة الدورة الكاملة” (Round-trip efficiency)، والتي قد تصل خسارتها إلى 60-70% من الطاقة الأصلية. لذا، يجادل النقاد بأن استخدام الكهرباء المتجددة مباشرة، حيثما أمكن، هو دائماً الخيار الأكثر كفاءة.

3. **تحديات البنية التحتية:** نحن لا نملك البنية التحتية اللازمة لاقتصاد الهيدروجين. يتطلب الأمر بناء شبكة واسعة من خطوط الأنابيب المتخصصة (الهيدروجين جزيء صغير جداً ويمكن أن يتسرب من أنابيب الغاز الطبيعي التقليدية)، ومنشآت تخزين ضخمة (إما كسائل فائق البرودة أو كغاز مضغوط للغاية)، ومحطات تزويد بالوقود. هذه استثمارات فلكية تتطلب عقوداً لتنفيذها.

4. **متطلبات هائلة من الطاقة والمياه:** لإنتاج كميات كبيرة من الهيدروجين الأخضر، سنحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء المتجددة والمياه النقية. قد يؤدي ذلك إلى منافسة على الموارد مع قطاعات أخرى، خاصة في المناطق التي تعاني من شح المياه.

### الحكم النهائي: حل سحري أم أداة متخصصة؟

الهيدروجين الأخضر ليس فقاعة فارغة، ولكنه بالتأكيد ليس حلاً سحرياً لكل شيء. الحقيقة، كما هي الحال دائماً، تقع في مكان ما في المنتصف.

من غير المرجح أن يحل الهيدروجين الأخضر محل الكهرباء في الاستخدامات التي يمكن كهربتها بسهولة، مثل تدفئة المنازل أو تشغيل السيارات الخاصة، وذلك بسبب عدم كفاءته وتكلفته. سيكون من الأجدى دائماً استخدام الإلكترونات مباشرة بدلاً من تحويلها إلى هيدروجين ثم العودة مرة أخرى.

لكن قيمته الحقيقية تكمن في كونه **أداة متخصصة لا غنى عنها** لمعالجة المشاكل التي لا تستطيع الكهرباء وحدها حلها. سيكون دوره حاسماً في:
* **تخزين الطاقة المتجددة على المدى الطويل** (موسمياً وليس يومياً).
* **إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة** (الصلب، الكيماويات).
* **توفير وقود نظيف للشحن البحري والطيران والشاحنات الثقيلة**.

السباق العالمي، الذي تشارك فيه دول كبرى في الشرق الأوسط مثل السعودية والإمارات وعُمان بفضل وفرة الطاقة الشمسية لديها، سيحدد سرعة انخفاض التكاليف وتطور التكنولوجيا. العقد القادم سيكون حاسماً في تحويل الهيدروجين الأخضر من مجرد وعد إلى واقع ملموس. إنه ليس الفقاعة التي ستنفجر، بل هو القطعة الاستراتيجية التي، إذا وُضعت في المكان الصحيح من لغز الطاقة، يمكن أن تساعدنا بالفعل في بناء مستقبل أكثر نظافة واستدامة.

Image by: Singkham
https://www.pexels.com/@singkham-178541

Keywords: Green technology

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *