الطاقة الشمسية العائمة: مستقبل توليد الكهرباء على المسطحات المائية

**مقدمة**

في عالم يتسارع فيه البحث عن حلول مستدامة لتوليد الطاقة، تبرز الطاقة الشمسية العائمة، أو ما يُعرف بالـ “فلوتوفولتك” (Floatovoltaics)، كتقنية واعدة تحمل في طياتها مفتاحًا لمستقبل مشرق للطاقة النظيفة. فمع تزايد الطلب على الكهرباء وتضاؤل المساحات البرية المتاحة لإنشاء محطات الطاقة الشمسية التقليدية، تقدم الأنظمة الشمسية العائمة حلاً مبتكرًا يستغل المسطحات المائية الشاسعة – من البحيرات والخزانات الاصطناعية إلى أحواض الصرف الصحي والمقالع المغمورة – لتحويل أشعة الشمس إلى كهرباء وفيرة. هذه التقنية ليست مجرد إضافة هامشية لمزيج الطاقة المتجددة، بل هي خطوة استراتيجية نحو تعزيز كفاءة استغلال الموارد وتخفيف الضغط على الأراضي الزراعية والمناطق السكنية.

**لماذا الطاقة الشمسية العائمة؟ مزايا لا يمكن تجاهلها**

تتمتع محطات الطاقة الشمسية العائمة بعدة مزايا جوهرية تجعلها خيارًا جذابًا ومستدامًا:

1. **كفاءة استخدام المساحة:** تُعد هذه الميزة الأبرز، حيث تتيح استغلال المسطحات المائية التي لا تُستخدم غالبًا لأغراض أخرى، مما يحرر الأراضي الثمينة للزراعة أو التنمية الحضرية أو الحفاظ على النظم البيئية البرية.
2. **زيادة كفاءة الألواح:** تساعد درجات الحرارة المنخفضة للمياه مقارنة باليابسة على تبريد الألواح الشمسية بشكل طبيعي. وهذا التبريد يؤدي إلى زيادة كفاءة إنتاج الطاقة بنسبة تتراوح بين 5% إلى 15% مقارنة بالمحطات الأرضية، حيث أن الألواح الشمسية تعمل بكفاءة أفضل في درجات حرارة معتدلة.
3. **تقليل تبخر المياه:** في الخزانات ومصادر المياه العذبة، تعمل الألواح الشمسية العائمة كغطاء يقلل بشكل كبير من معدلات تبخر المياه، وهو أمر حيوي للمناطق التي تعاني من ندرة المياه أو الجفاف، مما يساعد في الحفاظ على موارد المياه الثمينة.
4. **تحسين جودة المياه:** يمنع حجب أشعة الشمس وصول الضوء الكافي للطحالب والنباتات المائية، مما يقلل من نموها ويساهم في تحسين جودة المياه وتقليل الحاجة إلى المعالجة الكيميائية.
5. **سهولة التركيب والترابط مع الشبكة:** غالبًا ما تُقام محطات الطاقة الشمسية العائمة بالقرب من محطات الطاقة الكهرومائية القائمة، مما يسهل عملية ربطها بالشبكة الكهربائية الحالية والاستفادة من البنية التحتية المتوفرة.
6. **مرونة التصميم:** يمكن تصميم الأنظمة العائمة لتناسب مختلف أحجام وأشكال المسطحات المائية، وهي قابلة للتوسع والتعديل حسب الحاجة.

**التحديات والاعتبارات**

على الرغم من المزايا العديدة، تواجه الطاقة الشمسية العائمة بعض التحديات التي يجب معالجتها لضمان انتشارها الواسع:

1. **التكلفة الأولية:** قد تكون التكاليف الأولية لتركيب محطات الطاقة الشمسية العائمة أعلى مقارنة بالمحطات البرية، وذلك بسبب الحاجة إلى مكونات متخصصة مثل الهياكل العائمة، أنظمة التثبيت والرسو، والكابلات المقاومة للماء، والمحولات المصممة للبيئات المائية.
2. **التأثير البيئي المحتمل:** يتطلب الأمر دراسات بيئية دقيقة لضمان عدم وجود آثار سلبية كبيرة على النظم البيئية المائية، مثل تأثير الظل على الكائنات الحية تحت الماء، أو تغيير درجات حرارة الماء، أو التأثير على أنماط الهجرة للأسماك.
3. **الصيانة والتشغيل:** تتطلب بيئة العمل المائية إجراءات صيانة خاصة لمقاومة التآكل والتلف الناتج عن الرطوبة، بالإضافة إلى تحديات تنظيف الألواح من تراكم الطحالب أو فضلات الطيور.
4. **الظروف الجوية القاسية:** يجب تصميم الأنظمة لتتحمل الرياح القوية والأمواج والعواصف، مما يتطلب أنظمة تثبيت ورسو قوية ومتينة.

**التطبيقات ودراسات الحالة**

شهدت الطاقة الشمسية العائمة انتشارًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، مع تنفيذ مشاريع ضخمة في عدة دول:

* **الصين:** تقود الصين العالم في هذا المجال، حيث تضم أكبر محطة طاقة شمسية عائمة في العالم في مدينة هواينان، مقاطعة آنهوي، بسعة تتجاوز 150 ميجاوات، أقيمت على منجم فحم غمرته المياه.
* **اليابان:** بسبب محدودية الأراضي، اتجهت اليابان بقوة نحو الطاقة الشمسية العائمة، مع وجود العديد من المشاريع على البحيرات والخزانات، مثل محطة ياموكورا (Yamokura) بسعة 13.7 ميجاوات.
* **كوريا الجنوبية:** تخطط كوريا الجنوبية لبناء محطات ضخمة، بما في ذلك مشروع بسعة 2.1 جيجاوات على سد ساهيمانجيوم (Saemangeum)، مما سيجعلها واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم.
* **الهند وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية:** تشهد هذه الدول أيضًا اهتمامًا متزايدًا بالمشاريع العائمة، لا سيما على الخزانات المستخدمة لتوليد الطاقة الكهرومائية، مما يخلق أنظمة هجينة تجمع بين الطاقة الشمسية والمائية (Hydro-Solar Hybrid).

**التقنيات والمكونات الأساسية**

تعتمد محطات الطاقة الشمسية العائمة على مجموعة من المكونات المتخصصة:

1. **الهياكل العائمة:** تُصنع عادة من مواد بوليمرية عالية الكثافة (مثل HDPE) المقاومة للتآكل والأشعة فوق البنفسجية، وتُصمم لتوفير استقرار مثالي للألواح الشمسية.
2. **أنظمة التثبيت والرسو:** تُعد هذه الأنظمة حاسمة لضمان استقرار المحطة في مكانها، وتشمل المراسي (مثل كتل الأسمنت) أو الأوتاد المثبتة في قاع المسطح المائي، بالإضافة إلى الكابلات المرنة التي تربط الهياكل العائمة بنقاط التثبيت.
3. **الألواح الشمسية الكهروضوئية (PV Panels):** غالبًا ما تُستخدم الألواح القياسية من السيليكون البلوري، مع إمكانية استخدام الألواح ثنائية الوجه (bifacial) لزيادة الكفاءة من خلال امتصاص الضوء المنعكس من سطح الماء.
4. **المحولات (Inverters):** تُصمم لتكون مقاومة للماء ومحمية من الرطوبة، وتُثبت إما على منصات عائمة أو على الشاطئ.
5. **الكابلات الكهربائية:** يجب أن تكون مقاومة للماء والأشعة فوق البنفسجية والعوامل البيئية الأخرى، وتُثبت بطريقة تضمن سلامتها وتجنب احتكاكها بقاع المسطح المائي.
6. **نظام المراقبة والتحكم:** يتيح مراقبة أداء المحطة عن بعد والكشف عن أي أعطال.

**آفاق المستقبل**

يبدو مستقبل الطاقة الشمسية العائمة واعدًا للغاية. فمع استمرار التقدم التكنولوجي، من المتوقع أن تنخفض التكاليف بشكل أكبر، وأن تتحسن كفاءة الأنظمة ومتانتها. كما سيزداد البحث في طرق التثبيت المبتكرة والحلول الصديقة للبيئة. ومن المتوقع أن تلعب الأنظمة الهجينة التي تجمع بين الطاقة الشمسية العائمة والطاقة الكهرومائية أو أنظمة تخزين الطاقة دورًا محوريًا في توفير إمدادات طاقة موثوقة ومستقرة. ومع سعي دول العالم لتحقيق أهدافها في الطاقة المتجددة وتقليل انبعاثات الكربون، ستصبح الطاقة الشمسية العائمة جزءًا لا يتجزأ من مزيج الطاقة العالمي، مما يسهم في تحقيق مستقبل مستدام ونظيف للأجيال القادمة.

**الخاتمة**

إن الطاقة الشمسية العائمة ليست مجرد فكرة مبتكرة، بل هي واقع يتجلى في مشاريع ضخمة حول العالم، وتحمل في طياتها القدرة على إحداث ثورة في كيفية توليد الكهرباء. بفضل قدرتها على استغلال المساحات المائية بكفاءة، وتعزيز إنتاجية الألواح، والمساهمة في الحفاظ على موارد المياه، تقدم هذه التقنية حلاً متعدد الأوجه لتحديات الطاقة والبيئة. ومع تزايد الاستثمارات والابتكارات، من المؤكد أن الطاقة الشمسية العائمة ستموج في طريقها لتصبح ركيزة أساسية في بناء مستقبل طاقوي مستدام ونظيف، مضيئة مسطحاتنا المائية ليس فقط بضوء الشمس، بل بضوء الأمل في غد أفضل.

Image by: Pixabay
https://www.pexels.com/@pixabay

Keywords: Solar energy on water

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *