**مقدمة: الثورة التقنية والمعضلة الإنسانية**
تُمثل السيارات ذاتية القيادة، المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، طفرة نوعية واعدة في عالم النقل. إنها تعد بمستقبل أكثر أماناً وكفاءة، حيث تقل الحوادث الناتجة عن الأخطاء البشرية، ويصبح التنقل متاحاً لشرائح أوسع من المجتمع. ولكن خلف هذا الوعد بمستقبل مثالي، تكمن معضلة أخلاقية وفلسفية عميقة تطرح سؤالاً وجودياً: كيف يجب أن تبرمج هذه المركبات لاتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بحياة البشر عندما تواجه سيناريوهات مستحيلة؟ إنها ليست مجرد مسألة برمجية أو هندسية، بل هي إشكالية أخلاقية معقدة تجعل الآلة حكماً على الحياة والموت.
**الوعد بالسلامة والكفاءة**
لا يمكن إنكار الفوائد الجمة المتوقعة من انتشار السيارات ذاتية القيادة. يُشير داعموها إلى أن الغالبية العظمى من حوادث السير ناجمة عن الأخطاء البشرية مثل القيادة المتهورة، عدم الانتباه، الإرهاق، أو القيادة تحت تأثير الكحول. بوجود أنظمة متطورة يمكنها الاستشعار والاستجابة بسرعة ودقة تفوق القدرات البشرية، من المتوقع أن تنخفض معدلات الحوادث والوفيات بشكل كبير، مما يوفر أرواحاً لا حصر لها ويقلل من الخسائر المادية. كما تَعِد هذه المركبات بتدفق مروري أكثر سلاسة، واستهلاك أقل للوقود، وتوفير وقت ثمين كان يقضيه الأفراد في القيادة.
**المعضلة الأخلاقية: مشكلة العربة على عجلات**
يكمن جوهر المعضلة الأخلاقية في برمجة السيارات ذاتية القيادة في سيناريوهات الحوادث الوشيكة، حيث لا مفر من وقوع ضرر، والقرار يصبح حول أي الضررين أقل سوءاً. هذا السيناريو يعكس ما يُعرف فلسفياً بـ “معضلة العربة” (The Trolley Problem)، ولكن هذه المرة تكون الآلة هي التي تتخذ القرار بدلاً من الإنسان.
تخيل السيناريو التالي: سيارة ذاتية القيادة تسير على الطريق وفجأة يظهر أمامها عائق غير متوقع (طفل يركض، أو شخص يقفز فجأة). لتجنب الاصطدام، أمام السيارة خياران:
1. **الاستمرار في المسار الحالي:** مما يؤدي حتماً إلى الاصطدام بالعائق ووفاته.
2. **الانحراف عن المسار:** مما ينقذ حياة العائق، ولكنه يؤدي إلى اصطدام محتمل بعمود إنارة، أو جدار، أو مركبة أخرى، مما قد يعرض حياة الركاب داخل السيارة للخطر أو الموت.
كيف يجب أن تبرمج الآلة لتقرر في هذه اللحظة الحاسمة؟ هل يجب أن تعطي الأولوية لإنقاذ ركابها الذين “اشتروها” أو “يملكونها”، أم يجب أن تسعى لتقليل عدد الضحايا الكلي حتى لو كان ذلك يعني التضحية بركابها؟
**القرارات الصعبة: من ينجو؟**
تتفرع هذه المعضلة إلى أسئلة أكثر دقة وصعوبة:
* **ركاب السيارة مقابل المشاة:** هل يجب أن تحمي السيارة ركابها في كل الأحوال، أم يجب أن تسعى لتقليل الضرر الأوسع للمجتمع، حتى لو كان ذلك على حساب حياة الركاب؟
* **تفاضل الأرواح:** إذا كان لا مفر من التضحية بأحدهما، فهل يجب أن تبرمج السيارة لتفاضل بين الأرواح؟ (مثلاً: إنقاذ طفل على حساب شخص مسن؟ إنقاذ مجموعة من الأشخاص على حساب شخص واحد؟ إنقاذ شخص يلتزم بالقانون على حساب شخص يعبر الطريق بشكل غير قانوني؟)
* **المسؤولية القانونية والأخلاقية:** من يتحمل المسؤولية عن القرارات التي تتخذها الآلة؟ المبرمج؟ الشركة المصنعة؟ مالك السيارة؟ كيف يمكن للمجتمعات قبول سيارات مبرمجة للتضحية ببعض الأرواح لإنقاذ أرواح أخرى؟
**الأطر الأخلاقية ونقص الإجابات**
تتصارع الفلسفة الأخلاقية مع هذه القضايا منذ قرون، ولا يوجد إجماع كامل. يمكن تقسيم المقاربات الرئيسية إلى:
1. **النفعية (Utilitarianism):** تركز على تحقيق أكبر قدر من الخير لأكبر عدد من الناس. في سياق السيارات ذاتية القيادة، قد تعني هذه المقاربة برمجة السيارة لتقليل عدد الوفيات الكلي، حتى لو عنى ذلك التضحية بركابها.
2. **الأخلاق الواجبة (Deontology):** تركز على القواعد والمبادئ الأخلاقية الثابتة، بغض النظر عن النتائج. قد تُحاجج هذه المقاربة بأن السيارة يجب ألا تتخذ قراراً بالتسبب في ضرر متعمد لأي شخص، بما في ذلك ركابها.
المشكلة هي أن هذه الأطر الفلسفية التي طورها البشر لقرون من التفكير ليست مصممة ليتم ترجمتها مباشرة إلى “إذا-ثم” في التعليمات البرمجية. فالحياة البشرية ليست مجرد معادلة رياضية يمكن حلها بأقصى قدر من الكفاءة، والقيم الأخلاقية تختلف باختلاف الثقافات والمجتمعات.
**نحو مستقبل أكثر أخلاقية**
إن الإجابات على هذه الأسئلة ليست سهلة، ولا يمكن لمهندسي البرمجيات وحدهم تقديمها. يتطلب الأمر حواراً مجتمعياً شاملاً يشارك فيه الفلاسفة، وخبراء القانون، وعلماء النفس، والمشرعون، وبالطبع الجمهور.
تشمل الخطوات المحتملة نحو معالجة هذه المعضلة:
* **الشفافية في الخوارزميات:** يجب أن تكون القرارات التي تتخذها السيارات ذاتية القيادة قابلة للتفسير والفهم قدر الإمكان، لا أن تكون “صندوقاً أسود” غير مفهوم.
* **وضع إرشادات أخلاقية ومعايير دولية:** من الضروري تطوير إرشادات ومبادئ عالمية لبرمجة هذه السيارات، لضمان نهج متسق عبر الدول والثقافات.
* **التعليم والتوعية العامة:** يجب تثقيف الجمهور حول هذه التحديات لتعزيز القبول العام والتفاهم المتبادل.
* **التحكم البشري الأخير:** في بعض السيناريوهات، قد يكون من الضروري وجود درجة معينة من التدخل البشري، أو على الأقل القدرة على تجاوز قرارات الآلة في حالات الطوارئ القصوى.
* **المسؤولية القانونية الواضحة:** يجب تحديد الأطر القانونية للمسؤولية في حوادث السيارات ذاتية القيادة بشكل واضح، لتوفير العدالة للضحايا وتوجيه الشركات المصنعة.
**خاتمة: ليست مجرد تكنولوجيا**
إن السيارات ذاتية القيادة ليست مجرد تقدم تكنولوجي؛ إنها انعكاس لتحديات أخلاقية عميقة تواجه البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي. بينما نرحب بالوعود التي تحملها هذه التكنولوجيا بتحسين جودة الحياة، يجب ألا نغفل عن حقيقة أن برمجة الآلات لاتخاذ قرارات الحياة والموت تتطلب منا تحديد قيمنا الأساسية كبشر. إنها مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الهندسة والبرمجة، وتتطلب منا التفكير بعمق في مستقبلنا المشترك مع الآلات التي نصنعها، وكيف نضمن أن تكون هذه الآلات انعكاساً لأفضل ما في إنسانيتنا، وليس مجرد أدوات لتحقيق الكفاءة على حساب المبادئ الأخلاقية.
Image by:
Keywords: سيارة ذاتية القيادة