في خضم السعي العالمي الملتهب نحو مستقبل مستدام، برزت الطاقة المتجددة، وخاصة طاقة الرياح والطاقة الشمسية، كأبطال رئيسيين في المعركة ضد تغير المناخ. لقد تم تسويقها على أنها حلول “خضراء” ونظيفة بالكامل، خالية من الانبعاثات الكربونية أثناء التشغيل، مما يوحي بأنها لا تترك أي بصمة بيئية سلبية. ومع ذلك، فإن هذا التصور، رغم صحته في جانب الانبعاثات التشغيلية، يتجاهل جزءاً كبيراً من الحقيقة: التكلفة البيئية الخفية لدورة حياة هذه التقنيات، بدءاً من التصنيع وحتى التخلص منها وإعادة تدويرها.
**الوجه الآخر للتصنيع: استنزاف الموارد والتلوث**
إن تصنيع توربينات الرياح والألواح الشمسية ليس عملية خالية من التأثير البيئي، بل يتطلب كميات هائلة من الموارد ويخلف بصمة بيئية كبيرة.
1. **استخراج المواد الخام:**
* **المعادن النادرة:** تعتمد العديد من توربينات الرياح الكبيرة والألواح الشمسية المتطورة على معادن أرضية نادرة (مثل النيوديميوم، الديسبورسيوم، والبراسيوديميوم) في صناعة المغناطيسات الدائمة والمكونات الإلكترونية. تعدين هذه المعادن عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة والمياه، وغالباً ما تتسبب في تدهور بيئي واسع النطاق، بما في ذلك تلوث التربة والمياه بالمواد الكيميائية السامة والإشعاعات المنخفضة المستوى.
* **السيليكون:** تُصنع معظم الألواح الشمسية من السيليكون البلوري، ويتطلب إنتاج السيليكون عالي النقاء عمليات معقدة وحرارة عالية جداً، مما يستهلك طاقة كبيرة ويطلق غازات دفيئة.
* **الفولاذ والنحاس والألومنيوم:** تتطلب توربينات الرياح كميات هائلة من الفولاذ (للبنية والأبراج)، والنحاس (للمولدات والكابلات)، والألومنيوم. كما تستخدم الألواح الشمسية النحاس والألومنيوم أيضاً. تعدين ومعالجة هذه المعادن هي عمليات ملوثة بيئياً وتستهلك طاقة مكثفة.
* **الألياف الزجاجية والراتنجات:** تُصنع شفرات توربينات الرياح من مواد مركبة تجمع بين الألياف الزجاجية والراتنجات البوليمرية، وهي مواد يصعب إنتاجها بكميات كبيرة دون بصمة بيئية.
2. **استهلاك الطاقة في التصنيع:** لا يتم تصنيع هذه التقنيات في مصانع تعمل بالطاقة الشمسية أو الرياح حصرياً. في الواقع، تعتمد العديد من المصانع على الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري لتشغيل عملياتها كثيفة الطاقة، مثل صهر المعادن وتصنيع السيليكون. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من البصمة الكربونية لهذه التقنيات يحدث قبل أن تبدأ في إنتاج أي طاقة نظيفة.
3. **التلوث الناتج عن عمليات التصنيع:** تنتج عمليات التصنيع العديد من النفايات السامة والانبعاثات الضارة. على سبيل المثال، في صناعة الألواح الشمسية، تُستخدم مواد كيميائية خطرة مثل حمض الهيدروفلوريك في تنظيف وتصنيع رقائق السيليكون، وإذا لم تُعالج بشكل صحيح، يمكن أن تلوث المياه والتربة. كما تنتج عمليات التصنيع غازات الفلوروكربون (HFCs) والنيتروجين ثلاثي الفلوريد (NF3)، وكلاهما من غازات الاحتباس الحراري القوية جداً.
**التحدي الأكبر: نهاية العمر الافتراضي وإعادة التدوير**
تُقدر الأعمار الافتراضية لتوربينات الرياح والألواح الشمسية بنحو 20-30 عاماً. ومع انتهاء هذه الفترة، يبرز تحدٍ بيئي كبير: ماذا نفعل بملايين الأطنان من هذه المعدات؟
1. **توربينات الرياح: مشكلة الشفرات:**
* تُعد شفرات توربينات الرياح أكبر تحدٍ في عملية إعادة التدوير. فهي مصنوعة من مواد مركبة (الألياف الزجاجية أو ألياف الكربون مع الراتنجات)، مما يجعل فصل المكونات وإعادة استخدامها أمراً صعباً ومكلفاً للغاية.
* في الوقت الحالي، ينتهي المطاف بمعظم هذه الشفرات في مدافن النفايات، حيث تشغل مساحات شاسعة ولا تتحلل بسهولة، مما يشكل عبئاً بيئياً متزايداً مع تزايد عدد التوربينات التي تخرج من الخدمة.
2. **الألواح الشمسية: معادن ثقيلة وتحديات الفصل:**
* تحتوي الألواح الشمسية على مواد قيمة مثل السيليكون والفضة والنحاس، ولكنها تحتوي أيضاً على كميات صغيرة من المواد الخطرة مثل الرصاص والكادميوم (خاصة في أنواع معينة).
* تتطلب إعادة تدوير الألواح الشمسية عمليات معقدة لفصل الزجاج والألمنيوم عن الخلايا الشمسية الدقيقة التي تحتوي على السيليكون والمعادن الثقيلة. هذه العملية مكلفة وتستهلك طاقة، والبنية التحتية لإعادة تدوير الألواح الشمسية لا تزال محدودة وغير متوفرة على نطاق واسع في معظم أنحاء العالم.
* إذا لم تُعالج هذه الألواح بشكل صحيح، يمكن أن تتسرب المعادن الثقيلة إلى التربة والمياه الجوفية، مما يسبب تلوثاً خطيراً.
3. **التكلفة الاقتصادية لإعادة التدوير:** في كثير من الحالات، تكون عملية استخراج المواد الخام الجديدة أرخص من إعادة تدوير المكونات من المعدات المستهلكة. هذا الوضع الاقتصادي يعيق تطوير صناعة إعادة تدوير قوية لهذه التقنيات.
**الخلاصة: نحو “خضرة” حقيقية وشاملة**
لا يمكن إنكار أن الطاقة المتجددة تشكل ركيزة أساسية لمستقبل خالٍ من الكربون. إنها تساهم بشكل كبير في تقليل الانبعاثات الغازية الدفيئة بمجرد تشغيلها. ومع ذلك، فإن النظرة الشاملة لدورة حياة هذه التقنيات تكشف أن مسارها نحو “الخضرة” الحقيقية لا يزال يواجه تحديات كبيرة.
لتحقيق “خضرة” شاملة ومستدامة، يجب علينا:
* **الاستثمار في البحث والتطوير:** لتطوير مواد تصنيع أقل استنزافاً للموارد وأقل تلويثاً، وكذلك لابتكار تقنيات تصنيع أكثر كفاءة ونظافة.
* **تصميم المنتجات لإعادة التدوير:** يجب أن تُصمم توربينات الرياح والألواح الشمسية منذ البداية مع وضع نهاية العمر الافتراضي في الاعتبار، مما يسهل تفكيكها وفصل مكوناتها لإعادة تدويرها.
* **بناء بنية تحتية قوية لإعادة التدوير:** الاستثمار في مصانع وتقنيات متقدمة لإعادة تدوير الشفرات المركبة والألواح الشمسية المعقدة، وجعل هذه العمليات مجدية اقتصادياً.
* **وضع سياسات داعمة:** سن تشريعات تحفز إعادة التدوير وتتحمل الشركات المصنعة مسؤولية دورة حياة منتجاتها.
إن فهمنا للتكلفة البيئية الخفية للطاقة المتجددة ليس لتقويض أهميتها، بل لضمان أن يكون انتقالنا إلى مستقبل مستدام مدروساً وواقعياً وشاملاً، وأن تكون “الخضرة” التي نسعى إليها حقيقية من المنبع إلى المصب.
Image by:
Keywords: Environmental cost of renewable energy
